أحداث

الباجي قائد السبسي وهدف “الوقت الضائع”

استطاع الباجي قائد السبسي ان يكون الوحيد من بين المساهمين في بناء الدولة الوطنية الذي ظل فاعلا في المشهد رغم ان عددا منهم قد حاول العودة الى صدارة المشهد بعد 14 جانفي 2011 . و لا شك ان هذه القدرة على البقاء على قيد الحياة السياسية و على التاثير في مجرياتها تكشف عن تميو الباجي قائد السبسي عن معاصريه في مستوى القدرة على التفاعل مع المستجدات و حسن توظيفها و خاصة على اجادة السباحة ضد التيار . فقد تحول وهو الشخصية “المخزنية ” التي خدمت دولة الاستقلال برئيسيها الحبيب بورقيبة و زين العابدين بن علي و عارضتهما دون ان تقطع معهما “شعرة معاوية ” الى رمز من رموز “تونس الثورة على الفساد و الاستبداد” من خلال اضطلاعه بدور متقدم في ضمان الانتقال السلس من دولة “ما قبل الثورة ” الى “دولة الثورة ” من خلال نجاحه كرئيس حكومة في توفير الارضية القانونية و السياسية لانتخابات المجلس الوطني التاسيسي ثم من خلال تحوله الى “معارض شرس ” لحركة النهضة و الاحزاب التي والتها في تجربة “الترويكا” . لقد فرض “البجبوج” كما اصبح يحلو لمناصريه و مناصراته تسميته بطريقة الغت فوارق السن و جعلت من مؤسس حركة “نداء تونس” شخصية تعبر عن تطلعات قطاعات واسعة من الشباب و النساء من مختلف الاجيال و كل الجهات . اصبح الباجي قائد السبسي “زعيم المعارضة ” الذي فرض على الشخصيات التي قادت من مواقع متقدمة عماية ابعاد زين العابدين بن علي ان تصطف من خلال “جبهة الانقاذ ” خلف قيادته و هو ما يمثل في حد ذاته تاكيدا على قدرة الرجل على المناورة و ايضا قوة شخصيته و خاصة تمكنه من تقنيات الاتصال و استعمال اللغة التي تخفي اكثر مما تظهر و قد ارتدت ثوب البساطة و الاختصار الذي يجعلها الاقدر على النفاذ الى وعي اوسع فئات التونسيين . لقد استطاع ان يحد من “الجموح الثوري ” لحركة النهضة التي لم تجد بعد ان خسرت حلفاء الامس و اصبحت تتوجس خيفة من رياح التحولات الاقليمية و الدولية التي لم تعد في صالحها الا ان تقبل بالباجي قائد السبسي شريكا لضمان عملية الانتقال الديمقراطي و الاعداد لانتخابات رئاسية و تشريعية طال انتظارها بعد ان شهدت عملية صياغة الدستور تمطيطا اعتبره البعض نذير رغبة في تطويع مؤسسات الدولة لخدمة اهداف حزبية ضيقة . و قد ادرك الباجي قائد السبسي ما تركته رغبة التطويع من مخاوف فجعل من استرجاع “هيبة الدولة ” الكلمة المفتاح ” في برنامجه الانتخابي الذي لم يضع وقتا في عرضه على الناخبين لانه اكتفى بالتلويح بان “برنامج النداء يدوخ ” و ان لديه تحت امرته من الكفاءات ما يكفي “لادارة اربع دول” و اذا كان حمة الهمامي قد اكتفى بالحديث النظري عن “خالتي مباركة ” فان الباجي قائد السبسي قد “ابكاه حال امراة لم تاكل اللحم منذ اسابيع” . ليس مهما ان يصدق كل الناخبين و التاخبات ان كانت دموع مرشح “نداء تونس” حقيقية ام املتها ضرورات المشهد بل ما يعني الباجي قائد السبسي هو “الادراك ” و “الانطباع” لانه يدرك ان السياسة ليست تاثير افكار و برامج فقط . و حين دخل الباجي قائد السبسي لم يكن يعنيه كثيرا ان يفهم البعض انتصاره على انه تجسيد لحلم شخصي سكنه طويلا و لم يتخل عنه رغم انه قد تعود على العبور الطويل” لصحراء الحياة السياسية عدة مرات او ان يعتبر البعض ان هذا الانتصار هو انتصار للقوى الحداثية و “النموذج المجتمعي التونسي” . كان انتصارا تتداخل فيه كل هذه الاعتبارات و يضاف اليها عامل اخر من عوامل “المجد الشخصي ” لان الباجي قائد السبسي هو اول رئيس جمهورية للجمهورية الثانية الناشئة و هو اول رئيس دولة تونسي لا تشوب عملية انتخابه الحر و المباشر ادنى شبهة تلاعب و تزوير علاوة انه اول رئيس دولة منحدر من المدرسة الدستورية ينجح في “تطويع ” حركة النهضة بطريقة سياسية بعيدا عن الاساليب الامنية و القضائية التي لجا اليها الحبيب بورقيبة و زين العابدين بن علي.

و لكن سرعان ما اكتشف الباجي قائد السبسي ان دستور الجمهورية الثانية يحد الى اكبر حد من دوره و ان عقد “نداء تونس” قد اخذ ينفرط بسرعة غير متوقعة و ان اختياره لاهم مساعديه لم يكن موفقا و هو ما جعل الاستقالات تتوالى و فرض ايضا الاستغناء عن رئيس حكومة لم يتعاون مع “ساكن قرطاج ” كما ينبغي و هو الحبيب الصيد و تعويضه بشاب من “المحيط المقرب” و هو يوسف الشاهد . ولكن حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر لان حفيد راضية الحداد سرعان ما شق عصا الطاعة في وجه من يعتبره البعض “الاب الروحي” و البعض الاخر “بايا جمهوريا” و تمسك بالبقاء في رئاسة الحكومة رغم اصرار الباجي قائد السبسي على الاطاحة به . و لا شك ان الاعتبارات الذاتية قد طغت على “عملية لي الذراع ” بين الرجلين و لكن واهم من بحاول التقليل من دور الاعتبارات الذاتية في الحياة السياسية لان للعواطف و الاهواء و الميول دورها المؤثر في اهم الاحداث السياسية بما فيها الاحداث الكبرى. و المقربون من الباجي قائد السبسي يشيرون الى انه لا يقبل بالهزيمة بسهولة و ان له من الاصرار و العناد ما يجعله لا يتراجع عن مواقف يعتبرها صحيحة . هذه العوامل النفسية ظهرت في الايام الاخيرة بعد ان اعتقد الجميع ان الباجي قائد السبسي قد اقر بانه لم يعد يملك الا اتمام عهدته الرئاسية كمتابع للاحداث دون ان يكون قادرا على الفعل فيها . اذ سرعان ما سحب الباجي قائد السبسي من “جرابه السياسي” ورقات غير متوقعة فاصر على تسريع مسار عرض قانون المساواة في الارث على مجلس نواب الشعب و استدعى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان المعزول دوليا الى تونس و حرص على ان يحرج حلفاء الامس الذين اتاروا من خلال الانتصار ليوسف الشاهد غضبه و حولوه الى خصم من خصومهم .

لقد اختار الباجي قائد السبسي ان يعكس الهجوم في وقت حساس و ان يوظف اوراقا مثيرة للجدل و تنقسم المواقف حولها انقساما حادا و هو ما يعني انه ينخرط بكل طاقاته في معركة ظاهرها استعادة المبادرة و لكنها ثلاثية الابعاد لان مؤسس حركة “نداء تونس” يريد ان يفرض استبعاد يوسف الشاهد من رئاسة الحكومة و لم تحل هزيمة “الجولة الاولى ” دونه و اعادة المحاولة و فرض عودة حركة النهضة الى بيت “الطاعة التوافقي ” و ان ابت فانها الحرب السياسية التي يستعمل فيها الباجي قائد السبسي كل “اسلحته” و ايضا الاستعداد للترشح لعهدة رئاسية ثانية …اهداف كبرى و عودة لامتلاك المبادرة من الباب الكبير مع سؤال اساسي و هو هل يملك الباجي قائد السبسي امكانيات سياسته

هشام الحاجي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق